التانغو .. من شوارع المهمشين إلى مسارح العالم

بوينس آيرس مدينة راقصة بامتياز. هذا ما يدور في خلد كل من يزور تلك البلاد التي تنتظرنا وراء البحار مبسوطة الذراعين واللهفة على محياها. وقلّما كان للموسيقى شأن وشعبية كما هو الأمر في الأرجنتين، فأينما تجولتَ في شوارعها ستجد حتمًا من يحتضن قيثارته ويداعب أوتارها بعشق وجنون، والناس من حوله بين متمايل وراقص.

إن الرقص هنا هو كلمة السر، وهو مفتاح لا بد من امتلاكه لنتمكن من فتح الأبواب الموصدة وسبر الأغوار العميقة للأرجنتينيين، وهي قصة تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر، عندما تدفق المهاجرون الأوروبيون - وأكثرهم من الرجال - إلى هذه الربوع حاملين رقصاتهم وموسيقاهم وأحلامهم، ومن هنا انتشرت آلات كالغيتار والباندونيون المطور عن الأكورديون، ورقصات أوروبية كالفلامينجو الإسبانية والفالس النمساوية والبولكا البوهيمية.

لم يكن الواقع الذي ينتظر هؤلاء المهاجرين باسمًا، إذ ازدحمت بهم الأحياء الشعبية الفقيرة ولم يتمكنوا من تحقيق الثروة التي هاجروا من أجلها، إلا أن ظاهرة أخرى نتجت عن هذا التدفق تمثلت في اختلال الميزان الأنثوي أمام هذا الاجتياح الذكوري، حتى أصبحت المرأة في بوينس آيرس عملة نادرة، وامتزجت المأساة مع الحب المغامر والموسيقى الراقصة فكان ميلاد رقصة التانغو التي طبعت ذلك الشعب إلى الأبد.

إن السمة الأولى لرقصة التانغو هي الحزن، الحزن الذي تولد من انصهار المهاجرين والمهمشين في بوتقة الحياة القاسية الجافة، فلم يجدوا إلا الموسيقى الحزينة توحدهم وتروي معاناتهم وتمنحهم هامشًا من التعبير والبوح. ويا لها من مغامرة نخوضها حين نغوص في خضم هذه الرقصات ونستشعر الأحاسيس الثائرة داخلها. أحاسيس الحزن والرجاء والمحاولة والمراودة والأمل واليأس، وإذا كان الرقص هو المولود الشرعي للحب والموسيقى كما يقولون، فإن التانغو هو ابن الحزن بلا منازع.

اقتصرت رقصة التانغو في بدايتها على الإيقاعات وكانت خالية من آلات العزف، إلا أنه سرعان ما دخلت آلات كالغيتار والباندونيون إلى إيقاعها واندمجت معها حتى أصبحت النغمات الصادرة عن هذه الآلات مقترنة في الأذهان بالجو الساحر المحيط بهذه الرقصة. لقد أصبحت آلة الباندونيون روح التانغو، حتى إن الفرقة الموسيقية التي تخلو منها لا تثير في الأجساد التواقة إلى الرقص إلا خيبة الأمل، ولا شك أن الطابع الشعبي لهذه الآلات قد ساهم بشكل كبير في إضفاء الجو "الشوارعي" على الرقصة. إن المجتمع البورجوازي في الأرجنتين قد فشل في أن ينسب التانغو إليه، ليس بسبب رفضه للتانغو في بادئ الأمر وحسب، وإنما كذلك بسبب هذا الطابع الشعبي الحزين الذي تشوبه شوائب التمرد على الضوابط، فالتانغو تمردت على الرقصات التي سبقتها، كرقصة الفالس النمساوية التي تتلامس فيها الأيدي وتتمايل الأجسام بنظام وفن، وجاءت بمفهوم الارتجال النابع من انفعالات الراقصيَن.

انتشرت موسيقى التانغو ورقصاتها إلى خارج الأرجنتين وفرضت نفسها كتراث فني عالمي اعترفت به اليونسكو ووعدت بالحفاظ عليه، واليوم لا تكاد تخلو منها أكبر مسارح العالم. ورغم خروجها من بيئة يعمها الفقر والجهل، إلا أنها كأي موسيقى تعبر عن آلام الناس واختلاجات صدورهم، وجدت صداها وتمايلت لإيقاعاتها القلوب وبكت مع أحزانها الأحاسيس في مزيج فريد لا يعرفه إلا من ألقى بنفسه راضيًا في ذلك الأتون المشتعل عاطفةً وجموحًا.