السعودية

الصعود إلى المستقبل

كانت لحظة حاسمة في تاريخ المملكة العربية السعودية، وتاريخ الاقتصاد العالمي، وتاريخ المال والأعمال والبورصة، لحظة فارقة وخرافية وأسطورية في كل شيء، إنها لحظة قرع الجرس إيذاناً ببداية تداول أسهم أكبر شركة في العالم، شركة أرامكو السعودية، عملاق النفط العالمي، كان ذلك بحضور مديرين تنفيذيين، وشخصيات مرموقة في الشركة، وفي قاعة كانت آنئذ محط أنظار العالم أجمع من مستثمرين ورجال مال ورواد أعمال، ومديري شركات عملاقة في كل دول العالم. قرع الجرس وابتدأ التداول، ذلك التداول الذي تجاوز كل الأرقام الكبيرة والقياسية في تاريخ التداول وشاشات البورصة في كل مكان، حيث بلغت القيمة السوقية للشركة ما يربو على ترليوني دولار أمريكي، بعد أن أطلقت حملة اكتتاب هي الأعظم عبر التاريخ، باعت خلالها 1.75 بالمائة من مجموع أسهمها، وهو ما حقق لها سيولة جارية بقيمة 29.44 مليار دولار أمريكي.

وفي الساعات الأولى من بداية التداول أزاحت أرامكو ببساطة شركة آبل الأمريكية، لتصبح هي الشركة المدرجة الأكبر في العالم على الإطلاق، وبذلك تقدم السوق السعودي ليصبح أحد أكبر عشرة أسواق مالية في العالم.

إن ما حدث قبل بضعة أيام هو تحقيقٌ لوعدٍ قطعه، قبل أربع سنوات، ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان على نفسه وعلى أرامكو، وها هو يفي بوعده، ويتحقق حرفياً كما تخيله؛ ليضع المملكة العربية السعودية على بداية مسار جديد، مصداقاً لرؤية السعودية 2030 التي ترى أن المملكة يجب أن تتوقف عن أن يكون اعتمادها الكامل على الثروة النفطية وحسب، وتتجاوز ذلك إلى الثروات المتجددة، مما ساهم في انبثاق فكرة الاستثمار في أسواق جديدة، والتفكير في طرق أكثر مرونة واستدامة، من مجرد التصدير وبيع البترول والاستفادة من عائداته إلى تحويل البوصلة نحو اقتصاد المعرفة، والاستثمار في المواطن السعودي، والاهتمام بالدبلوماسية السعودية سياسياً وثقافياً ورياضياً؛ كيما تتضافر كل تلك العوامل لتصنع مجتمعةً فكراً جديداً يقود السعودية في طريق الريادة إقليمياً وعالمياً.

لقد حققت المملكة العربية السعودية مكانتها المرموقة في العالم، وواصلت صناعة مجدها، ووضع قدمها مع مصاف الدول الرائدة في العالم من خلال الطموح والعمل، والبناء والنمو، وكذلك من خلال خطط تنموية واضحة، تؤسس على الموجود وتنظر إلى المستقبل البعيد، تلتقي كلها في بوتقة واحدة هي رؤية 2030، هذه الاستراتيجية الطموحة، التي تنم عن فكر رصين، وقراءة متأنية، واستشراف واعٍ، هذه الاستراتيجية التي قرت تسخير كل طاقات المملكة وخيراتها وسمعتها ومكانتها، من أجل تحقيق هذه الرؤية التي تعتمد على أذرع ثلاثة: مجتمع حيوي، اقتصاد مزدهر ووطن طموح. إن الحيوية والازدهار والطموح هي مفاتيح مكانة السعودية التي تتعزز يوماً بعد يوم.

لا خلاف على أن السعودية قوة بترولية عملاقة، وهذا يعطي جزءاً مهماً من الصورة؛ لأن الثروة النفطية أحد رهانات الدولة الأساسية، ولكن للمملكة أيضاً تاريخ من الثقافة والإبداع والتراث الإسلامي والإنساني، فتثمين هذا التراث وإعطاؤه قيمته التي يستحق، والكشف عما كان منه مطموراً تحت أتربة النسيان وعاديات الزمن، كان خطوة رائدة ساهمت في التطور الذي يعيشه البلد حالياً. إضافة إلى خطوات أخرى في هذا الاتجاه، كإنشاء مراكز ثقافية عملاقة، مثل مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي "إثراء" الذي يمثل مركباً اجتماعياً وثقافياً لا مثيل له، وإطلاق هيئة وطنية تعنى بالسياحة وتقديم الوجه المشرق للسعودية؛ حتى يعرفها الآخرون حق المعرفة، والعمل على خطط إعلامية ناجعة، تستخدم الإعلام التقليدي جنباً إلى جنب مع الإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي بغية تصدير صورة السعودية الناصعة الجذابة.

كما يمكننا أن نقول إن كل ما تحقق، وسيتحقق في قادم السنوات، في العشرية المقبلة تحديداً، وفقا لرؤية 2030، هو نتاج طبيعي لما بذلته المملكة العربية السعودية من استثمار في المواطن السعودي.

الإنسان في السعودية هو صانع ومحرك هذا التطور وهو حجر الزاوية فيه ورهان استمراره، هو الفاعل والمفعول لأجله معاً.