بقلم: زياد الدريس - كاتب ومستشار ثقافي

لا يوجد إنسان في هذا الكون لديه (هوية) واحدة فقط يتدثّر بها، سواءً كانت ديناً أو عِرقاً أو وطناً أو لغة. الإنسان كائن متعدد الهويات، بل وتتفرع هوياته الكبرى إلى هويات صغرى، يُفترض أن تكون أقل أهمية من الكبرى، لكنها للأسف غالباً لا تكون كذلك!

الدين يتفرع إلى مذاهب، والعِرق إلى قبائل، والوطن إلى أقاليم، واللغة إلى لهجات.

وهذه الهويات جميعها مهددة بهويات مضادة تريد أن تكون لها اليد الطولى بالتحكم في: الإنسان وفي الموارد.

وفي شأن الهوية اللغوية، فقد ظللت سنوات طويلة منشغلاً بسؤال: أيهما أكثر تهديداً للغة العربية، اللغات الأجنبية أم اللهجات العامية؟

وقبل أن أقترب من جواب أن اللغات الأجنبية أشد تهديداً، اكتشفت أن هناك تهديداً أكبر منهما، لم ننتبه له وهو يتمدد وينتشر سريعاً.

أعني بذلك الاعتقاد الذي يتنامى، عند الجيل الجديد خصوصاً، بأن اللغة ليست وسيلة للتعبير عن الهوية بل هي وسيلة للتواصل فقط.

برسوخ هذا المفهوم المغلوط ستصبح مقاومتنا للغات الأجنبية أو حتى العامية ضرباً من العبث!

أتحدث هنا عن الذين لا يرون للغةِ أهميةً في التعبير عن الهوية، أما الذين لا يرون أهمية للهوية نفسها فهؤلاء قضية أخرى لا يطيقها نقاشنا الآن.

سبق أن قلت في أكثر من موضع، بأن التاريخ الإنساني القديم والحديث لم يسجل لنا حتى الآن حضارة قامت بغير لغتها. فإذا كنا نتباكى كثيراً على حضارتنا التي سادت ثم بادت، ونريد استئناف الحضارة فينبغي أن نعي بأن اللغة العربية هي الرصيف الذي يجب أن تنطلق منه سفن الحضارة.