إطلالة

العلاج "بالعالم" البديل

لوحة ( الفنّ ) لـ علي الشريف

كما أن هناك من يصيبهم الخرف في آخر عمرهم، هناك أيضا من يصابون به لحظة ولادتهم.

يقال بأنه علينا تقسيم المعدة ثلاثةَ أثلاث: ثلث للماء، وثلث للهواء، وثلث للغذاء، ولعل العقلَ أيضًا مقسّمٌ إلى ثلاثة أثلاث موزعة بالتساوي بين: المعرفة، والجهل، والخيال، وبذلك أظنُّ الإنسانَ يعيش ثلث حياته في مخيلته، وأنه لا يتحكم في خياله لوحده، فكما أن الخيال يؤثر في العالم المحسوس فهو يتأثر به كذلك، ومن أكثر المؤثرات المتأصلة في مخيلتنا تلك الخرافات التي نعتقدها أو نستحسنها وترتاح لها أنفسنا وتستقر إليها وتطمئن.

شيء من الخرافة يُشبه الفنّ الذي قال عنه بيكاسو: "كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة"، وشيء منها أظنّه بمثابة الكذبة التي نحتمي بها خوفًا من الحقيقة، فإن كان الناس أعداء ما جهلوا من جهة، فهم أتباع ما يجهلون من جهة أخرى، فالجهل جهل امتناعٍ، وجهل اتباع.

الخرافة ليست فقط تلك القصص التي حدثت في العهد القديم وانقضت، بل إنها أيضًا تلك الخرافات التي لا تزال تقضي على جزء من مخيلتك وأجزاء من واقعك، ومن يظن أن الخرافات تبعد عن بلدته آلاف الكيلو مترات، ويضحك ساخرًا من أقوام يعلقون حدوة الحصان عند مداخل منازلهم لتطرد الحسد والأرواح الشريرة، حامدًا الله على نعمة العقل، عليه أن يتخلى فورًا عن فكرة زرقاء اليمامة التي أدهشته يومًا بحدة بصرها، وأن يبحث في مسكنه عن ذرات الملح التي تنثرها ربات البيوت في الأركان لطرد الحسد والشرور.

قد تختلف في أشياء عديدة مع ذلك الذي يؤمن بخرافة تثير تهكمك واستهجانك، من حيث: العِرق والانتماء الدينيّ والثقافيّ، ولكن تأكد بأنّ بينك وبينه رابطًا مشتركًا، وهو أن كليكما يعاني من "متلازمة المؤمن الحقيقيّ" الذي يعزز عالمه الواقعي بعالم بديل، فرضته وعززته الثقافة الدينيّة والمجتمعيّة، فالبعبع الذي قالت لنا أمهاتنا ـ حين كنا أطفالًا ـ إنه سيهاجمنا إن خرجنا من المنزل ـ حتى لا نخرج ـ هو ذاته البعبع الذي تحذرنا منه ثقافتنا بمختلف مشاربها، وهو ذاته رجل القش من وجهة نظر الطيور.

تفكر للحظة..

طفلُ من أنت؟ وما هو البعبع الذي يحدثك عنه؟ وكم فزاعة غرسها في رأسك الذي ستأكل منه الطير يومًا؟

دور الخرافات ليس حصرًا على خدمة الأدلجة وتعزيزها في مجتمع ما، فمنها أيضًا ما يؤثر في جوانب أخرى من الحياة، كأن تستخدمها الأم ليخلد أطفالها للنوم، أو لينهوا طعامهم حتى لا يطاردهم ما تبقى في الطبق، أو أن يستخدمها بائع لترويج بضاعته، أو أن يمررها أحدهم في اللاوعي ليجعلك تنقاد لمبتغاه الذي قد يراه لصالحك؛ ومن ذلك ما كان يُعمل به بحق تلك القطعة التي تبقى من الحبل السريّ موصولة بالوليد، وتسقط بعد أيام. حيث تحرص الأمهات والجدات على جعلها في موضع يسألن الله أن يكون الوليد موصولاً به مدى الحياة، ومؤثرًا في حياته، ، فمن تريد أن يكون ذلك الطفل ناسكًا تخبئ تلك القطعة من الحبل السري في مكان عبادة، ومن تبتغيه فارسًا لا يُشق له غبار تضعها في سرج فرس، وأذكر أن جدتي قالت لي إنها خبأت تلك القطعة من حبلي السري في "شداد الرحول" تلك الناقة التي يمتطيها جدي، ولعلها كانت تريدني أن أتعلق بالإبل، لكن تعلقي أصبح بالترحال، ولو أنّ جدّتي رحمها الله حاضرة الآن وأخبرتها أين صار مصير تلك القطعة من الحبل السري لمواليد اليوم، لقالت: إن ذلك هو سبب تردي حال ومآل هذا الجيل التائه، فالمرء حيث أودع "سِره".

كانت ـ ولا تزال ـ الخرافة جزءًا من عالمي البديل، أو العالم الموازي، وكذلك من عالمي الأصيل، فلا أنكر أنِّي ممن لوحوا بسنّهم اللبَنية للشمس، وطلبوا منها سِنًّا أخرى، وممن كفوا عن عد النجوم حتى لا تظهر على أجسادهم "الثواليل"، وكذلك أنا ممن رأوا بالعين المجردة تفاصيل جسد فرس النبي "السرعوف" ـ وكأنهم علماء أحياء ـ وهم يفتشون عن أذنيها ليودعوا فيها أمنياتهم سرًّا لتحققها لهم، ولا أعلم كم من وزغ قتلت عقابًا له على ما ارتكبه أسلافه، وبالإضافة لما مارست وعرفت من خرافات أعرف أيضًا من يقرأ في صفحة الأبراج بشكل يومي ليطلع على حظه، وينتظر غائبًا قالت الخرافة إنه سيأتي في أحد أيام ديسمبر، ويخبئ خرزة زرقاء تمنع عنه كل شرور إلا شرور نفسه، وقرأت عن حوادث قديمة وحديثة، أنّ الناس قد مالوا لتوظيف الخرافة في وقائعها للتبرير والتبرئة، وعرفت العديد من الأشخاص الذين ينحدرون من عائلات خرافيّة؛ وأعني بخرافيّة هنا أن ذلك يظهر في بعض أسماء أجدادهم وأسماء عوائلهم التي انعكست عليها خرافة شاعت في حقبة ما، حيث كانت العرب تسمي أبناءها بأسماء بشعة أو غير محببة حتى لا يخطفهم الموت.

وبما أن الحديث اتجه إلى النّسب، فمن الأجدر أن أبيّن من أين ينحدر أصل الخرافة التي لم تكن في الأصل سوى حجة غياب قدمها رجل لقومه بعد أن غاب عنهم زمنًا، ولا يعلمون مصيره، وحين عاد أخبرهم أنّ الجنّ قاموا بخطفه، وبقي لديهم طيلة تلك الفترة وراح يحكي لهم ما وجده في عالم الجن، ولكن الرجل زاد وأكثر حتى تهكم القوم بقصته، وربطوا اسمه بكل حديث مختلق وقالوا: "حديث خرافة". نسبة لذلك الرجل الذي يحمل اسم "خرافة" وهو من بني عذرة أو من جهينة بحسب الروايات، وأظن ذلك الرجل قرر أن يستنفد الثلث المحدد من حياته لخياله دفعة واحدة!

أخيرًا لا يفوتني أن أقول:

مرر هذه المقالة لثلاثة أشخاص وستبتهج بأمر كنت تتمنى حدوثه.

مفرج المجفل

قاص وسينارست من السعودية