"إثراء" يتعاطى مع جائحة "كوفيد19" بسلسلة لقاءات ثقافية

ما بعد الكارثة

في الأخير ينتصر الإنسان ويُحصي غنائمه

ولأن للثقافة دورها الملموس في تعاطيها مع الأوبئة على مرّ العصور، يُطل مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) عبر نافذة ثقافية جديدة لينقل من خلالها كيف لعب كل من الأدب والفن والفلسفة دورًا بارزًا في خضم الأحداث في زمن الأوبئة ضمن سياق ثقافي تفاعلي مبهر على منصة انستغرام، وعبر سلسلة لقاءات وحوارات مع عدد من المختصين والمفكرين، يبثها المركز تباعًا تحت عنوان "تقارُب:على هامش كورونا"، ببث حي ومباشر استهل يوم الثلاثاء 21 أبريل الجاري ويستمر حتى 30 من الشهر ذاته، ضمن باقة من البرامج الرقمية التي تشارك الجمهور عُزلتهم المنزلية في زمن "كوفيد19".

في وقت لا يرى فريدريك هيجل أن البشر يحتاجون بين الفينة والأخرى إلى الحروب والكوارث والأوبئة في مسيرة تطوّرهم فقط، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يراها "قضايا جوهريّة ذات ماهيّة" لا غنى للبشر عنها. رأي هيجل هذا يمثّل اتجاهًا فكريًّا وفلسفيًّا واسعًا، له ما يبرّره، وعليه ما يفنده، ككلّ الأفكار والنظريّات البشريّة؛ ولكن الشيء المؤكد أن صيرورة الإنسان اقتضت وتقتضي وستقتضي أن يقف دائمًا في مواجهة الكوارث، وأنّ الكوارث تنتهي مهما كان وقعها، وأن الإنسان باقٍ؛ وبعد أن تمر العاصفة يجب أن تستمر الحياة.

لم يكن أكثر المتفائلين ليتصورَ أنه يمكن أن تقوم قائمة لليابان بعد السادس من أغسطس 1945م، يوم دمّرت القنبلة النوويّة مدينتي هيروشيما وناجازاكي. غير أن اليابان قررت أن تستفيد مما حدث، وأن تتجاوز آثار الكارثة سيرًا على خطى العلم والتعلم، واللعب على حبال الجودة والإتقان، وتمكين المعرفة، والفن، والحياة، وتقديم مشاريع اقتصادية عملاقة. بنت اليابان الإنسان الذي دمرته الحرب، وأعادت بناء الجانب المفقود من خريطة الأمل؛ وفِي ظرفٍ وجيز تحولت الكارثة إلى دافع قوي للحياة، والتطور، والتركيز على المستقبل.

في عام 1665م شبَّ "طاعون لندن العظيم"، وفقدت لندن ربع سكانها، أي حوالي 100 ألف نفس بشريّة. أعطت جامعة كامبريدج العريقة تعليمات لطلابها بالبقاء في منازلهم، وكان من بين طلابها إسحاق نيوتن، الذي استغل فترة الحجر الصحيّ لحل معادلات رياضيّة معقّدة، وبناء نظريّات في الرياضيات والفيزياء، وشهدت هذه الفترة سقوط تفاحته الشهيرة، التي اكتشف على إثرها الجاذبيّة الأرضيّة. ما خرج به طالب كامبريدج بعد انتهاء الوباء كان فتحًا وإرثًا علميًّا عظيمًا، غيّر الفيزياء، وأسس لإنجازات، خدمت البشريّة، وطوّرت حياة الإنسان على كوكب الأرض.

تاريخ الفنّ تاريخ عريق من الرقص على: جثث الكوارث، والأوبئة، والحروب، والأزمات. قديمًا كان الفنّ يتعامل مع الكوارثِ بمنطقٍ توثيقيٍّ بحت، لولا الفنّ (الرسم والنحت) لما وجدنا أثرًا للكوارث التي ضربت البشريّة في عصور ما قبل التاريخ.

بعد ذلك تخلّى الفن عن دوره التوثيقيّ، وأصبح عالمًا موازيًا، مُتخمًا بالجمال، يلعب دورًا نضاليًّا ضد البؤس، ويقدّم نفسه بلسمًا للكارثة أثناءها. ففي كلِّ مأساة عاشها الإنسان، كان الفنّ هو المستفيد الأكبر، إذ يُبدع: الموسيقيّون، والكتاب، والنحّاتون، والرسامون، والشعراء، ولاحقا المصوّرون الفوتوغرافيّون والسينمائيون. كل أولئك يستلهمون أعمالهم من الكوارث، ويلوّنون الأوبئة بألوان التفاؤل، ويخطفون مجاز الحروب بعيدًا عن الموت والدمار، لصناعة عالم مواز ينفخ في الكوارث روح الجمال.

يقع الإنسان هذه الفترة فريسةً لوباء عالميٍّ خطير؛ ولكنَّ الواقع ليس سيئًا على كوكب الأرض كلّه، حيث تعيش البيئة المحيطة أجمل أيامها، مما انعكس إيجابًا على تعافي طبقة الأوزون، وتنْقية الهواء، وتوازن التنوّع البيئيّ في: الغابات، والمحيطات، والأنهار. والآن، ونحن نقرأ هذه الكلمات، تتلاقى آلاف الأفكار، لتدورَ في أذهان آلاف العلماء، في آلاف المعامل حول العالم؛ الآن يتحرك العلم بسرعة، وعندما نفتح عيوننا، ونلتقط الأنفاس بعد انقشاع الغُمَّة، سنكتشف أن الإنسان انتصر على الكارثة كالعادة، وسنُحصي الأشياء الجميلة، والتفاصيل الإيجابيّة التي كسبناها، ربما تكون كثيرة إلى الحد الذي لن نجد معه وقتًا لنُحصي خسائرنا.

قاسية هي بعض الكوارث الطبيعية والأوبئة، إلا أنّها تشكّل نبعًا لإلهام المبدعين والمبتكرين في الفنون والآداب، ومحفّزًا للعلماء والمخترعين، وميدانًا خصبًا لعلماء الاجتماع والأنثربولوجيا.

إنها تقسو على الإنسان من جهة وتحنو عليه من جهة أخرى؛ كأنها تصفعه على خدٍّ وتنحني لتقبل الخد الآخر.