الفنان الضيف

عبدالكريم الجهيمان.. ذاكرةٌ شعبية عمرها مائة عام

كان عمْرُ عبدالكريم بن عبدالعزيز الجهيمان يربو على المائة عام حين أسلم الروح لباريها؛ مائة عام احترف خلالها العطاء دون توقف، كانت روحه تتألق إبداعًا بين عدة مجالات متكاملة، كان: شاعرًا، وأديبًا، وكاتبًا، وناقدًا، ومعلمًا، ورحالة، ومؤلفًا، وناشرًا، وباحثًا، وإداريًّا، وواضعًا لمناهج التدريس، وحافظًا للتراث، والأساطير الشعبية، والثقافة المتوارثة، و خادمًا للدولة السعوديّة على المستوين العام والخاص. قرن من الزمن عبّد فيه الرجل كل دروب البناء المعرفيّ، ووضع عدةَ لبنات في تأسيس الدولة المدنيّة الحديثة.

ولد أبو سهيل، عبدالكريم بن عبدالعزيز الجهيمان، ذات يوم من سنة 1912 في قرية غسلة بإقليم الوشم، وعاش طفولته بينها وقرية الوقف؛ ومثل كل أقرانه التحق بالكُتَّاب وهو في سن السادسة من عمره، وحفظ القرآن وهو ما زال يافعًا؛ ثم رافق والده إلى الرياض، وشكلت مرحلة الرياض فرصة لتعلم النحو واللغة وشيء من الفقه على يد الشيخ محمد بن إبراهيم. هذه هي أهم مراحل التعليم التي تلقاها في طفولته. وحين كان في الخامسة عشرة من عمره نال حظوة الانضمام إلى الدفعة الأولى التي التحقت بالمعهد العلمي السعوديّ في مكة المكرمة، فور تأسيسه؛ وتخرج فيه بعد ثلاث سنوات، وكان عمره آنئذٍ ثمانيّة عشَر عامًا.

بدأ أبو سهيل حياته المهنيّة من خلال بوابة التعليم، حيث عُين معلمًا في مدرسة المعلى بمكة المكرمة، بعد عامين من تخرّجه في المعهد، ثم معلمًا في مدرسة الفيصلية بالشبيكة بمكة المكرمة، حيث درَّسَ فيها سمو الأمير عبد الله الفيصل رحمه الله، ولاحقًا أصبح مدرسًا في المعهد الذي تخرج فيه، ثم موظفًا في مدرسة تحضير البعثات، ثم مديرًا لمدرسة الخرج؛ قبل أن يتفرغ لتدريس أبناء الأمير عبدالله بن عبدالرحمن آل سعود، ثم مفتشًا في وزارة المعارف.. هذه المسيرة الحافلة بالتدريس رافقها عمل تأليفي موازٍ، حيث ألّف بعض كتب المناهج الدراسيّة، وشارك في تأليف البعض الآخر، خاصةً في مواد: الفقه، والحديث، والمطالعة والتهذيب.

اهتم الجهيمان بالصحافة فور تأسيس الدولة السعوديّة الحديثة وتوحيدها، وبالتوازي مع مهنة التعليم مارس الكتابة الصحفيّة، بدأ ذلك المشوار بنشر المقالات والقصائد في الجرائد والمجلات التي تصدر في المنطقة الغربيّة؛ قبل أن ينتقل إلى المنطقة الشرقيّة ويؤسس "أخبار الظهران"، وهي أول جريدة تصدر في المنطقة سنة 1952، وكان يتولى رئاسة تحريرها، وأسس أيضاً مجلة "المعرفة"، وأشرف على تحرير مجلة "الماليّة" الصادرة عن وزارة المالية والاقتصاد الوطنيّ، كما استمر في نشر مقالاتٍ دورية في صحيفتي اليمامة والقصيم.

كان لطفولة الجهيمان دور كبير في تفتح ذهنه على التراث، وخصوصًا الأساطير المحكيّة، من خلال تربيته في كنف جدته، تلك التربية التي شبّعت خياله بالموروث الشعبيّ، وأجّجت رغبته لاحقًا في البحث في هذا المجال، والحفر بعيدًا لاستخراج اللآلئ والدرر. ألف كتابين من أهم كتب التراث السعوديّ، ويعتبران مرجعين مهمّين لكل باحث إلى اليوم وهما:

"أساطير شعبيّة في قلب الجزيرة العربية"، وهو مجهود بحثيّ عظيم أصدره في خمسة مجلدات على فترت متتالية، ابتداء من سنة 1967؛ وقد اقتُبس من هذا الكتاب مسلسل "أساطير شعبيّة"

وهي سلسلة سعودية من بطولة ناصر القصبي وعبدالله السدحان، ومن إنتاج سنة 2000.

الكتاب الثاني هو أيضًا مجهود بحثيّ كبير، تحت عنوان "الأمثال الشعبيّة في قلب جزيرة العرب" صدر في عشرة مجلدات.

فضلًا عن تلك المجلدات القيمة، أصدر الجهيمان عدة كتب أخرى من أهمها "آراء فرد من الشعب"؛ "دخان بلا لهب"؛ "أين الطريق"، صدرت هذه الكتب الثلاثة سنة 1961، وتضمنت مقالاته الصحفية في كل من صحف القصيم، صوت الظهران واليمامة. وأصدر بعد ذلك كتابًا عن أدب الرحلات تحت عنوان "دورة مع الشمس" سنة 1980، وكتابًا آخر في نفس الاتجاه وفي نفس السنة عنوانه" "ذكريات باريس"، ثم أصدر كتابَيْ "أحاديث وأحداث" الصادر 1987، و"رسائل لها تاريخ" سنة 1997.

ألّف الجهيمان ديوان شعر، نشر فيه أغلب قصائده وعنونه بـ"خفقات قلب" صدر سنة 2001، وقبله بست سنوات كان قد نشر مذكراته في كتاب بعنوان "مذكرات وذكريات من حياتي".

لقي الجهيمان تكريمًا واسعًا في السعوديّة من جهات رسميّة مثل: وزارة الثقافة والإعلام، وجامعة الملك سعود، ومهرجان الجنادريّة، ومن المجتمع المدنيّ مثل: الجمعيّة العربيّة السعوديّة للثقافة والفنون؛ كما ألفت عنه عدة كتب، حول: حياته، ومسيرته الشخصيّة، والمهنيّة، والعلميّة، وعن أبرز مؤلفاته.