مستوحاة من: مخيم إثراء الشتوي، مسار تحليل موقع الجريمة

التحقيق الجنائي.. أدرينالين الحقيقة

نبضٌ مُتسارع.. أنفاسٌ متقطعة.. قشعريرةٌ تزحف على الجلد، وكأنما تغزو العمود الفقري ذاته. إنها اللحظات التي ستخرج فيها الحقيقة - أخيرًا - من بين شفتَي المُحقّق بينما يجلس هو في استرخاء رامقًا الوجوه الشاحبة من حوله. من منّا لم يعش هذه اللحظات المليئة بالتشويق والإثارة، وهو يُشاهد سلسلة من سلاسل التحقيقات في الجرائم أو يُطالع رواية بوليسية كثيفة الحبكة؟

ليست التحقيقات البوليسية في مسرح الجريمة عملًا من أعمال الخيال الفني، وإن كان وصولها إلى ذهن العامة عن طريق الأعمال الفنية أساسًا؛ فهي قديمة قِدم الجرائم نفسها، حتى إن قانون حمورابي قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، كان يمنح الحقَّ في تقديم الأدلة التي تم جمعها لتساعد على الحكم بين الادعاء والدفاع.

لطالما كان أسلوب التحقيق في الجريمة، والتحقيق في مسرحها تحديدًا، السبيل الأهم لرسم صورة منطقية عن الأحداث التي وقعت خلف الستار، ووصل الأمر من الأهمية والتطوير إلى اعتبار التحقيق علمًا من العلوم، هو العلم الجنائي، له نظرياته وأدواته وتقنياته. وعلى رأس هذه التقنيات يأتي البحث في مسرح الجريمة، وجمع الأدلة وتصنيفها وتحليلها، وطرح الأسئلة واستجواب المشتبه فيهم والمقارنة بين إفاداتهم؛ كل هذا بهدف الوصول إلى تحديد نقاط يقوم عليها اتضاح الصورة وتحديد الجناة، هذه النقاط هي أساسًا الدافع والوسيلة والإمكانية. فمن خلال الاستجوابات وتسجيل روايات أطراف الجريمة من ضحايا ومشتبه فيهم وشهود وغيرهم، تّتضح الدوافع التي أدّت إلى ارتكاب الجريمة. وبالبحث عن الأدلة المادية وجمعها وتحليلها، تتضح الوسيلة التي اتخذها الجاني والآثار المترتبة عنها. هذا الأسلوب المنهجي في البحث، يُساعد بالتأكيد على تضييق دائرة الاشتباه حول عددٍ محدودٍ من الأشخاص. ويأتي البحث في إمكانية قيام هذا المشتبه فيه أو ذاك، بارتكاب الجريمة حسب ظروفه وسياق الأحداث، لتضيق الدائرة أكثر، ويصل المُحقّق في نهاية المطاف إلى هدفه المنشود. إنه لأسلوب مشوّق، أقرب إلى الحبكة الروائية، أليس كذلك؟ لو لم يكن الأمر كذلك، لما تزايد الاهتمام به أدبيًا وفنيًا، ولما ظهر بسببه اتجاه أدبي جديد هو أدب الجريمة، يُقدّم لنا سنويًا أعلى مبيعات للكتب وأكبر نسب مشاهدة للأعمال الفنية والتلفزيونية.

دائمًا ما كانت التحقيقات في الجرائم، الخطوة الأولى في الطريق إلى تحقيق العدالة، ولهذا اعتُبر المحقق الجنائي شخصية محورية، تعتمد عليها المُجتمعات في سعيها إلى الرقيِّ والكمال. هذه العوامل كانت وراء ظهور شخصيات خيالية تبوأت أعلى مراتب الشهرة، وعلى رأسها شخصية شيرلوك هولمز التي أبدعها الأديب البريطاني آرثر كونان دويل، والتي فتحت الباب لشخصيات كثيرة أخرى كهيركيول بوارو وميغريه والمفتش غادجت وغيرهم. إلا أن النقلة النوعية التي فتحت هذا الباب على مصراعيه للغالبية العظمى من شباب هذا الجيل كانت من كونان، هذا المُحقّق الشاب الذي استوحيَ اسمُه من كونان دويل، صاحب شخصية شيرلوك هولمز ليكون خيطًا يربط الأجيال ببعضها، ويُعطي انطباعًا بديمومة هذا الفن. وحقّ لنا أن نسمّيه فنًا.

لقد قدمت لنا سلسلة المحقق كونان فن التحقيقات الجنائية بكل تفاصيله وأدواته وتقنياته، ونقلت المتفرج من مختلف الفئات العمرية، إلى قلب مسرح الجريمة، ليعيش تجربة فريدة من نوعها؛ فهو تارة يستمع مع كونان إلى المشتبه فيهم، ويجد نفسه لا شعوريًا يشاركه محاولات إعمال الذهن وتحليل المعلومات، وحينًا يجد نفسه يمعن النظر في أركان الشاشة باحثًا عن دليلٍ أو قرينةٍ أو أثرٍ ما، ويجد الأدرينالين قد ارتفع في عروقه، وأضاء فوق رأسه ذلك المصباح فرحًا بالوصول إلى حل لغز الجريمة قبل كونان نفسه. ولكن هيهات بالطبع! فشخصية كونان، كغيرها من شخصيات التحقيقات الجنائية في الواقع، صُمّمت لتحفظ للموضوع سحره وتفرّده بحيث يُفاجئك بالحل الصحيح الذي يُثير في نفسك الدهشة كلَّ مرة، ويزيد من شغفك ورغبتك في الوصول إلى الحل الصحيح في المرة القادمة، ولسان حالك يقول: يا لسهولة الأمر، كيف سبقني كونان؟! هناك شبهة إدمان ولا شك؛ لكنّه إدمانٌ من نوع خاص، يسكن ثنايا عقلك ويُحكِمُ على خلاياه بالتفكير بنمط منطقي تحليلي، يجعلك ترى في كل ما حولك قيمة ما. وكفى بهذا تأثيرًا ومكانة.

لا شك أن العصر الحالي هو عصر المعلومة بكل معاني الكلمة، وفي خضم هذه المعلومات التي تُسيطر على كل مجالات حياتنا، تتضاعف أهمية التفكير التحليلي في حياة الأجيال الجديدة وتحديد مساراتها. وإن كونان بما يختزله من معانٍ وقيمٍ، يُمثّل أيقونة حقيقية نجح صانعوها في رفعها إلى مستوى القدوة في عيون كثيرٍ من الشباب. فليهنأ كونان إذن بهذا الفريق الذي انضمّ إليه ملايين الشباب. ولتحرص أنت عزيزي القارئ على أن لا تترك خلفك شيئًا قد تلتقطه عينٌ مُتمرّسة هنا أو هناك، وتتلّقاه خلايا عقلٍ ما بالفحص والتحليل، قبل أن تجد نفسك مشتبهًا بك في جريمة ما، قد لا يُخرِجُك منها سالمًا غير شخص واحد يتلو حكمه ببراءتك أو إدانتك وعلى شفتيه ابتسامة طفولية.. كونان