بعبقرية شهد العزاز ورعاية (إثراء)

نخيل الأحساء تلقي بظلالها على (أبواب) دبي

نجد مفارقة جديرة بالاهتمام بمجرد أن نذكر المهندسة المعمارية شهد صالح العزاز؛ فاسم "شهد" يقع في المنتصف بين قصتَي نجاح ملهمتين؛ إذ أن المهندسة المعمارية قبل اسمها يحمل رمزية النجاح الذي وصلت إليه، وصالح العزاز بعد اسمها يمثل قصة النجاح الذي انطلقت منه، ولكل قصةٍ أفق رحب من حكايا الطموح والإرادة والتفوق.

اجتمع لشهد نبوغها العلمي وموهبتها الفذة المبكرة من جهة، ونشأتها من جهة أخرى في كنف أبيها صالح العزاز رحمه الله، الفوتوغرافي والكاتب والفنّان الذي استطاع أن يسبق زمانه فنًا وإدراكًا، قبل أن ينتقل إلى جوار ربه إثر مرض أصابه في مطلع الأربعينات من عمره، وقد ترك من بعده إرثًا فنيًا خالصًا وفريدًا يتجلى في لقطاته وتوثيقه وأعماله الكتابية ذات الحس الرفيع، بالإضافة إلى خمسة نجوم حملت اسمه – شهد وأخواتها الثلاث وأخيها عبدالله - ليتألق كل نجم منها في سماء مختلفة ببريق لا تخطئه العين، وبالرغم من وقع الفقد الأليم الذي تركه رحيل الأب رحمه الله، إلا أن شهد وإخوتها استمدوا من ذلك إرادتهم لتحقيق ما كان يتمنى والدهم، وفي هذا السياق تقول شهد: "كان والدي منبعًا للتفاؤل حتى في أشد مراحل مرضه، وكان يخفي عنا معاناته وألمه حتى آخر أيامه، تلك الإيجابية هي ما منحنا الإرادة أنا وإخوتي لطيّ صفحة الألم والانطلاق لبناء مستقبل كلٍّ منا"، وهو ما شهدت به الأيام بعد ذلك، فقد أعلنت شهد عن موهبتها مبكرًا عندما تخرجت من الثانوية العامة عام 2007 ضمن أوائل الطلاب المتفوقين على مستوى المملكة، لتستهل رحلتها بعد ذلك مع فن التصميم من خلال دراسة البكالوريوس في كلية الهندسة بجامعة مانشستر في بريطانيا، وتؤسس لشخصيةٍ متفوقةٍ في مجال التصميم المعماري متأثرة بأسلوب الدراسة في الجامعة البريطانية التي تتسم بالانضباط والدقة والتحفيز على التقصي والبحث وخلق الحوار المستمر حول الأعمال والتصاميم المعمارية، وتصف شهد دراستها في بريطانيا بقولها: "جزء كبير من نظام التعليم في جامعتي كان يعتمد على أن يبحث الطالب بنفسه عن المعلومة، ومما زاد الأمر صعوبة أن التخصص يقبل الرأي والرأي الآخر ويعتمد بشكل كبير على الفلسفة المعمارية والنظريات الفنية، ولذلك كانت الأبحاث التي نسهر الليالي لإنجازها في المكتبات الجامعية لم تكن تنتهي بإجابة حاسمة أو خلاصة محددة، بل تبقى بنهايات مفتوحة، وهو عامل جوهري في تجديد هوية المعماري مع كل مشروع أو عمل تصميمي"، ومن هناك وجدت المصممة الموهوبة شغفها في عالم الكتل والمساحات والألوان من خلال تخصص الهندسة المعمارية الذي برعت فيه ثم شقت طريقها معه في رحلة لم تزل في أولها.

بعد تخرجها من مانشستر في سنة 2011؛ اتجهت إلى مدريد لتكون متدربة في شركة رافايل دي لاهوس وهي إحدى مكاتب العمارة العريقة والمعروفة في أوروبا، في تجربة مثيرة لشهد التي وجدت نفسها بحاجة لتعلم اللغة الإسبانية لضمان الاندماج السريع في بيئة العمل، فتعلمت اللغة الإسبانية في ستة أشهر فقط من خلال مقاطع في اليوتيوب واختلاطها بالناس في يومياتها، لتتجاوز حاجز اللغة وتقفز إلى قلب العمل وجوهره مع فريق مذهل من خبراء العمارة والتصميم ما لبثوا بدورهم أن لمسوا موهبة شهد وخيالها الخلّاق، وتشير شهد إلى تلك الفترة بقولها: "كنت أتوقع أن أعمل كمتدربة لمدة ستة أشهر على الأكثر، إلا أن الأيام انطوت سريعًا لأتم في مدريد سبع سنوات". وسرعان ما انغمست شهد تمامًا في عالم التصميم المعماري ولمع نجمها في الشركة التي وجدت في شهد عقلية فذة وظاهرة إبداعية حقيقية في مجالها، لتصبح شهد بعد ثلاث سنوات فقط مديرة لمشاريع الشرق الأوسط لشركة رافايل دي لا هوس، وتكون بذلك أصغر مهندسة تتولى منصبًا بهذه الأهمية، فضلًا عن حصولها – أثناء عملها- على الماجستير عام 2014 من جامعة آي إي (IE) إحدى أهم جامعات العالم في مجال إدارة الأعمال، وقد تلقت شهد تكريمًا من الجامعة حين فاز مشروعها بالجائزة الاولى بين مشاريع الماجستير، وجائزة أفضل أداء بتحقيقها المركز الأول على دفعتها من طلاب الماجستير لتزداد قيمتها العلمية والإبداعية في أوساط الهندسة المعمارية عمومًا، وشركة رافايل دي لا هوس تحديدًا.

مثلت شهد شركة رافايل دي لا هوس بمنطقة الشرق الأوسط في الفترة بين عامي 2014 إلى 2017، وخلال عملها في هذا المنصب عقدت عددًا من المشاريع الهامة في المملكة سواء مع جهات حكومية أو في القطاع الخاص، لتحقق نجاحًا إداريًا جديدًا يضاف لعبقريتها كمصممة معمارية، إلا أنها وجدت أن العمل الإداري وطاولات الاجتماعات قد أبعدتها عن طاولة التصميم المبتكر والتفكير المبدع الذي تجد فيه ذاتها، لتتخذ قرارًا مفصليًا في حياتها وتستقيل من الشركة العالمية، ثم تقتحم سوق العمل مجددًا ولكن هذه المرة من خلال مكتبها الهندسي الخاص معماريو العزاز (AZAZ Architects) الذي يمثل صفحة جديدة في كتاب نجاح شهد، ورحلة لا تنتهي مع التفوق والشغف ولذة الإنجاز.

منذ ذلك الحين عادت الفنانة إلى مُحتَرَفها، وقدمت شهد من خلال مكتبها المعماري مجموعة من الأعمال التصميمية المذهلة التي نفذتها في عدد من مدن المملكة، والتي تعكس شخصية معمارية متعددة المشارب ومتنوعة الرؤى، تحققت من مسيرة شهد التي تنوعت بين تجربة حياتية غنية ودراسة أكاديمية ملهمة، تتحدث شهد عن شخصيتها في التصميم فتقول: " أقف أمام تصاميمي اليوم فأجد أن مراحل مختلفة في حياتي هي من شكلت المعماري بداخلي؛ فطفولتي وعلاقتي بوالدي رحمه الله وإلهامه لي شكلت ذائقتي الفنية، بينما كان للمرحلة الجامعية ببريطانيا الفضل في إثرائي معرفيًا وعلميًا، أما إسبانيا فهي مدرسة من أفضل المدارس التي قد تراها العين بحضاراتها العريقة والمزيج الرائع بين الماضي والحاضر في مدنها وشوارعها".

وتطمح شهد إلى المساهمة في تقديم فن معماري متقدم من شأنه أن ينقل واقع التصميم في المملكة إلى آفاق عالمية ويمنح المدن بشوارعها وخدماتها ومرافقها وجهًا آخر مفعمًا بالحياة والراحة، بل يتعدى ذلك إلى تحسين سلوك الناس ويومياتهم، فالعمارة الناجحة – من وجهة نظر شهد – هي تلك القادرة على إحداث تغيير في الممارسات اليومية للفرد والمجتمع على حد سواء، كما تستند شهد في طموحاتها الجديدة –بالإضافة لخبرتها المتخصصة- إلى الثراء والتنوع الذي يميز المملكة جغرافيًا وبيئيًا وديموغرافيًا، فضلًا عن التراث المعماري المتعدد التي ترخز به مختلف مناطق المملكة، وقد حققت شهد بهذه الرؤية المبتكرة عددًا من الجوائز الإقليمية والعالمية لأعمال قدمتها في مختلف المحافل ذات العلاقة بالتصميم المعماري المعاصر.

وضمن الأعمال التي أبدعت شهد في تصميمها وأثبتت قدراتها الفائقة في تنفيذها يظهر العمل الفني الذي أسمته (سعف)، وهو مشروع معماري يقدم مقاربة مذهلة بين فن العمارة الحديثة وتراث المملكة الأصيل المتمثل في صناعة السعف واستخداماته العريقة في المملكة، وتشارك شهد بمشروعها (سعف) ضمن أعمال معرض (أبواب) أحد أقسام أسبوع دبي للتصميم في موسمه الخامس المقام في نوفمبر الجاري، مقدِّمةً هذا العمل بدعم من مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)، وتقوم فكرة (سعف) على بناء كتلة معمارية صممتها شهد باستخدام سعف النخيل مستعينة في تنفيذها بمجموعة من أرباب حرفة نسج الخوص وصناعة السعف، تلك المهنة المتجذرة في الذاكرة السعودية والتي تتعاقب على توارثها عائلات معروفة جيلًا بعد جيل، وحول فلسفة العمل ورؤيته تقول شهد: "عمل (سعف) هو تجربة إنسانية ذات بصمة فنية، تقدم رسالة عالمية للحفاظ على الحرف التراثية الأصيلة، وتدعو إلى إعادتها للحياة والنماء من جديد من خلال تمكينها في حياتنا اليوم وفق رؤية جديدة ومعاصرة، للحد من اندثار التراث الذي أصبح ظاهرة عالمية جديرة بالاهتمام"، وحول تنفيذ العمل والصعوبات التي واجهتها في تنفيذه تضيف شهد: " كان التحدي الكبير يتمثل في تحويل التصاميم من أفكار ورسومات على الشاشات والأجهزة إلى نطاق الواقع وحيز التنفيذ، وتطلّب العمل بحثًا مضنيًا عن حرفيين مجيدين لصناعة السعف وهو أمر بدا مستحيًلا عطفًا على تناقص عدد الحرفيين في هذا المجال من جهة، والتفاصيل الفنية والتصميمية التي لا بد من تبسيطها لهم من جهة أخرى، وفي النهاية وصلنا للأحساء وهناك وجدنا الأيدي الماهرة في هذه الصنعة لتكتمل بهم القطعة المفقودة لإنجاز هذا العمل"، وبالرغم من وصول شهد إلى الحرفيين في الأحساء إلا أن ذلك لم يكن نهاية العقبات في تنفيذ (سعف)، إذ لم يكن لدى ناسجي الخوص فكرة عن حجم العمل وتفاصيله ولم يتوقعوا إطلاقًا أن يجدوا أنفسهم أمام عمل مكثف ومنظم ودقيق، تروي شهد عن ذلك فتقول: "أتذكر جيدًا مدى صعوبة التحدي الذي واجهني عند وصولي لإحدى مزارع الحرفيين في الأحساء، كانوا في البداية غير واثقين من جدوى العمل ويسودهم بعض الإحباط والظن بأن هذه الفكرة ستموت قبل حتى أن تولد، إلا أني عملت على تحفيزهم وتشجيعهم، وفي كل زيارة لهم كنت أحرص على بث الطاقة الإيجابية والتفاؤل والحماس، وإيصال رسالة لهم أن هذه الحرفة ما زالت قادرة على العطاء".

ويتفرد تصميم (سعف) بتنوع الأنماط ورمزية التشابك وتفاوت الملمس والحجم والألوان في تفاصيل العمل الذي يضرب مثالًا جديدًا على تفوق المهندسة اللافت وإبداعها اللا محدود.

لا تنتهي قصة شهد عند هذا الحد، فمن الجلي أن المهندسة المعمارية شهد صالح العزاز قد نجحت في وقت قصير في تحقيق إنجازات متتالية يكاد أن يُنسي كل إنجازٍ منها ما سبقه، في خط تصاعدي واعد ينبئ عن عقلية سعودية شابة قادرة على تقديم إسهام سعودي عالمي يشار إليه بالبنان.