لا يُذكر "اللعب" إلا ويتبعه شعور بالسعادة والمتعة حتى قبل معرفة نوع اللعب أو الهدف منه، كل ما يهم الآن أننا سنلعب!

ولكن اللعب لم يكن أبدًا أداة للترفيه فحسب، وهل كانت الحضارة الإنسانية لتقوم وتتطور بدون اللعب؟ وهل كانت هذه الاختراعات الخارقة من حولنا بل والرياضات والقوانين والعلوم الإنسانية لتظهر للوجود بدون اللعب؟

الإجابة تؤكدها الوقائع التاريخية والأبحاث المعاصرة على حد سواء، فلطالما كان اللعب أداة للتفكير وتحرير العقول والخروج من حدود المألوف والتقليدي إلى كل ما هو جديد ومبتكر، ولا عجب بأن يحتل سوق الألعاب نسبة كبيرة من القوة الاقتصادية العالمية تقدر بمليارات الدولارات، والأمر لا يقتصر على ألعاب الفيديو فحسب بل يشمل الألعاب التفاعلية المستخدمة في التعليم سواء للتحصيل الدراسي أو لاكتساب المهارات الشخصية والمهنية، حتى صار اللعب جزءًا أساسيًا من المناهج الدراسية في كبرى المدارس بل والجامعات العالمية.

ولكن لماذا كان اللعب دومًا هو الوسيلة الأفضل والأكثر فاعلية للمعرفة؟ الإجابة ببساطة لأنك غير ملتزم بحدود ضيقة للتفكير أو الحركة، حواسك حرة وكلها تعمل في انسجام لإتمام مهمة مثيرة وشيقة، فالعقول عند اللعب تحطم أسوار سجنها التقليدي فتخلق آفاقًا جديدة تكون في أولها مجرد خيالات في ذهن صاحبها وسرعان ما تتطور لتصبح فكرة قابلة للتنفيذ والتطوير، ألم يبدأ الطيران بلعبة تقليد الطيور وصناعة أجنحة مشابهة لها؟، إلى أن ابتكر الإنسان طائرًا حقيقيًا من المعدن ينتقل به من شرق الأرض إلى غربها في بضع ساعات؟ اللعب حركة والحركة وقود المعرفة الذهنية، وتؤكد الدراسات العلمية أن اللعب ينشط هرمون الدوبامين في الدماغ مما يعزز التركيز والانتباه والقدرة على الابتكار.

وفي الموسم الثاني لبرنامج (تنوين) الإبداعي الذي ينظمه مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) خلال الفترة 11 صفر 1441هـ (الموافق 10 أكتوبر 2019م)، يتخطى اللعب حدود معناه التقليدي كوسيلة للمتعة والترفيه إلى كونه بوابة تأخذ زوار مركز (إثراء) في رحلة استكشافية في مجالات العلوم والفنون والثقافة تحت شعار "اللعب " والذي لا يستهدف الأطفال فقط بل يشمل مختلف الفئات العمرية. فاللعب على خُطى (إثراء) مكون أساسي للتفكير الإبداعي من خلال محاكاة تطبيقية للألعاب في العلوم والتصنيع والتواصل، عبر سلسلة من الحوارات وورش العمل واللقاءات والعروض التوضيحية والمعارض والمهرجانات تحت إشراف خبراء عالميين.

كما يتبنى مركز (إثراء) مفهوم اللعب من جوانب متعددة حيث يتمكن الزوار من التعرف على أحدث التقنيات في مجال الألعاب والوصول إلى منتجات اللعب بمختلف أشكالها، والتي تتسم جميعها بكونها ألعابًا تفاعلية تهدف لتعزيز القدرات الذهنية وتحفيز المشاركين من مختلف الفئات العمرية على الإبداع والابتكار في مساحات للعب تتنوع بين البيئات الواقعية والافتراضية والتي صممت خصيصًا لخلق تجربة لعب استثنائية من حيث نوع ومساحة وشكل اللعب.

الجدير بالذكر أن هذه الفعاليات التي يقدمها مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) تهدف إلى تطوير وتقديم منتجات معرفية مبتكرة، بالإضافة إلى خلق القيمة المضافة المرجوّة من خلال إنشاء علاقة استراتيجية بين المركز وبين شركائه والزوّار، عن طريق تحفيز استدامة المجتمعات الإبداعية والثقافية، ويتمثّل ذلك من خلال دعم وإبراز المواهب في بيئة محفزة على إنتاج وتبادل المعرفة، بشكل مشرّف يفخر به الوطن.