يقتحم الطفل أبواب العالم برغبة كبيرة في الاستكشاف. فمنذ أن يتعلم الحركة فإنه يبدأ في التعرّف على الأجسام المحيطة به، محولاً كل شيء إلى لعبة مسلية بين يديه وفي فمه. لهذا يمكن القول إن الطفل هو المصمم الأول للألعاب،

باستخدامه عفوياً كل ما يتوفر لديه من أدوات ليبتكر ألعاباً مرتجلة، ولهذا يعتبر البيت الملعب الأول للطفل. وبمجرد أن يخطو الطفل خارج المنزل، يصبح العالم كله ملعبه الكبير. بعدها يبدأ في تحديد مساحات لعب مخصصة داخل هذا الملعب اللامحدود، ليعزل عالمه اللعبي عن كل ما لا ينتمي له من عوالم الكبار الجادة. وبناءً على هذا، يمكن القول إن اللعب هو دليل الإنسان ليس فقط إلى اكتشاف العالم، بل أيضاً إلى تحديد مكانه فيه.

ورغم أن الأطفال يعزلون عادةً عوالم اللعب عن ما يحيط بها من عوالم الكبار، إلا أن معظم مساحات اللعب التي يصممها الأطفال تبدو محاكاةً لمساحات الكبار، إذ من خلالها يعبّرون عن ميولهم وتتحدد معالم شخصياتهم. فحين يبني الطفل قلعته الصغيرة مستخدماً مساند الكنب في المنزل فإنه يحفز خياله ويؤلف سردية كاملة لهذا التصميم ويعيشها بكل ابتكاراتها، محاكياً ما رآه في فيلم أو سمعه في قصة. لهذا يعتبر التربويون ألعابَ التركيب أحد أهم أدوات بناء شخصية الطفل وتحفيز تفكيره الإبداعي. ونرى مثالاً مشابهاً لهذا من ثقافتنا في ألعاب بيوت الطين، حيث يبني الطفل قلاعاً ومدنناً خيالية مستخدماً أدوات بناء تحاكي الأدوات التي يستخدمها الكبار، ومعززاً بهذا انتماءه لبيئته ومدينته التي يحاكيها.

تتحكم البيئة بشكل كبير بسبل وأساليب اللعب في كل ثقافة، إذ غالب ما ينطلق تصميم اللعبة من الأدوات المتاحة والمتوفرة حول الطفل. ولهذا شكّل التراب جزءًا أساسياً من مكونات ألعابنا الشعبية، حيث ابتُكر بعضها من رقعات مرسومة على الرمل مثل لعبة "أم تسع"، أو باستغلال إمكانية الدفن والاختباء تحت الأرض مثل "عظم وضاح" و"حي ابن موت". وحين نبحث عن أمثلة مشابهة امتدت لثقافتنا المعاصرة سنجد ملاعب كرة القدم المرتجلة، حيث يصنع الصغار حدود المرمى باستخدام الأحذية أو الحجارة، ويخطّون حدود الملعب حسب الأبعاد المتوفرة لهم في شارع أو مساحة ترابية. وفي حال عدم توفر الكرة يمكن حتى أن يصنعوا كرتهم الخاصة المبتكرة من مجموعة من الجوارب أو علب الصفيح الفارغة.

وما يلفت النظر أيضاً في تصميم ألعابنا الشعبية هو أن معظمها يعتمد على حرية الحركة في مساحات واسعة، إذ يمكن أن تصبح الصحراء كلها ملعباً، فالفضول والجرأة وغريزة الاستكشاف هي بعض أهم عناصر اللعب الحر، وهي ما يثري المخيلة ويعزز طرق التفكير الخلاقة. ولهذا تعتبر الشوارع والحدائق والمساحات المفتوحة أحد أكثر أماكن اللعب جذباً للأطفال اليوم، إذ تتيح لهم هذه الأماكن حرية الحركة والانطلاق وإمكانية إضافة لمساتهم الخاصة، فتسمح للأطفال ببناء ميدان، وتصميم أدوات للعبة، ووضع قوانين مرنة خاصة بهم، وهكذا تكون مساحات اللعب الحرة أقدر على استخلاص فوائد اللعب من بيئات اللعب المغلقة التي لا تسمح بتغيير.

بناءً على هذا، تقع على عاتقنا مسؤولية الطريقة التي نؤسس بها مدننا لتشمل دائماً مساحات كهذه في البيت والمدرسة وأماكن العمل ومختلف بيئات الحياة الحديثة، حيث يصبح اللعب الحر جزءًا أساسياً من نشاطاتنا اليومية المكوّنة لهوية المكان والتي تحدد ديناميكية العلاقات داخله وترسم معالمه. لأن المكان الذي يشجع على الاستقلال وحرية اللعب يمكن أن يعزز نمو الفرد وصحته ومستوى معيشته، كما يوفر مساحة للترابط الثقافي والاجتماعي بين مختلف الثقافات والأجيال، وبالتالي يؤدي لنتائج إيجابية عند الكبار والأطفال معاً. فكما يقول إنريكي بينالوسا، رئيس بلدية بوغوتا: "عندما نبني مدينة محفزةً للأطفال، سننجح حينها في خلق مدينة متكاملة صالحة للجميع".