يتنبأ الخبراء بأن القرن الواحد والعشرين سيكون قرن الألعاب الإلكترونية. ففي عام ٢٠١٨ كان مجموع الإنفاق العالمي في هذا المجال حوالي ١٠٠ مليار دولار. ومع ازدياد شعبية ألعاب الفيديو وانتشارها على كل الأجهزة،

أصبحت هذه الألعاب تشكل جزءًا من صميم عاداتنا اليومية. فهي لم تعد مجرد نشاط نمارسه أمام جهاز الحاسب، بل أصبحت من المحتويات الرئيسية في تطبيقات هواتفنا الذكية، وهكذا نحملها معنا أينما ذهبنا ونزجي بها أوقات الانتظار. نتيجة هذا، لم تتغير فقط عاداتنا في اللعب، بل أيضاً علاقتنا مع الألعاب التقليدية التي نمارسها بشكل حي على أرض الواقع، إذ بدأت الكثير من الشركات في تصميم ألعاب إلكترونية محاكية لها. وقد ساهم الإنترنت في إمكانية انتشار ألعاب من ثقافات مختلفة، إذ تتيح الألعاب الإلكترونية إمكانية المشاركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما يوفر فرصاً ثقافية واقتصادية واجتماعية خصبة للتواصل مع العالم عن طريق هذه المنصة.

يمكن استخدام هذا الانتقال إلى المنصات الرقمية كوسيلة لإحياء بعض الألعاب التقليدية التي تتجه نحو الإهمال والنسيان، وإعادة إحياء الألعاب الشعبية في ثقافتنا والتي يسهل تصميم نسخ إلكترونية منها، مثل الألعاب اللغوية وألعاب الورق، كالبلوت والكنكان، والألعاب التي تتطلب رقعة وأحجاراً مثل لعبة أم تسع الشعبية. ولو أخذنا لعبة الشطرنج كمثال مشابه، نجد أنها نجحت في نسختها الإلكترونية لأنها لم تعد تشترط أن يملك اللاعب رقعة وأحجاراً كاملة في متناوله، إذ يمكن أن تُلعب على الهاتف الذكي في أي زمان ومكان. ولا يشترط للعبها أن يملك اللاعب شريكاً يقابله في اللعبة، كما يمكن له أن يحدد المستوى الذي يريد أن يلعب ضده، وهكذا يملك فرصة أكبر لتطوير نفسه وفهم اللعبة بشكل أفضل تدريجياً. كما أن الألعاب الإلكترونية تساعد على تنويع شريحة اللاعبين، فهي لم تعد مقتصرة على سن أو فئة اجتماعية معينة، وهذا له دور كبير في استمراريتها وانتشارها بين مختلف الأجيال.

وتعد الألعاب الرياضية مثل التنس والبلياردو أحد أبرز أنواع الألعاب الناجحة في نسخها الإلكترونية. فرغم أنها تفتقر للحركة التي توفرها الرياضة، إلا أنها لا تخلو من التنافس وإمكانية تطوير المهارات واستغلال الذكاء ومختلف فوائد اللعب الاستراتيجي. بل أصبح لبعضها منافسات عالمية شهيرة تتقاطع مع منافسات نسختها الواقعية. وتعد ألعاب كرة القدم الإلكترونية أحد أشهر الأمثلة على هذا، فلعبة "الفيفا" أصبح لها بطولات عالمية أشبه بالبطولات التي تقام بين الأندية والمنتخبات. إذ لم يعد يتبارى اللاعبون بشكل منفصل خلف شاشات منازلهم، بل يلتقون في مناسبة منظمة أمام بعضهم على جهاز واحد، وتُنقل مبارياتهم على القنوات التلفزيونية والمحطات الرياضية، بل وترعاها كبرى الشركات والاتحادات الرياضية. ويكون لكل لاعب مدربه وجماهيره الحاضرون إلى جانبه، ويمكن أن يلتقي الفائز بلاعبيه المفضلين حين يستلم كأس البطولة الذي يُسلّم عادةً في حفل ضخم رفيع المستوى لا يقل عن احتفالات الرياضات العريقة.

كل هذه الفرص لا تغني عن الالتفات للجوانب السلبية لهذه المنصة الرقمية. فعلى عكس الألعاب الواقعية، يمكن للألعاب الإلكترونية أن تسبب الإدمان بكل ما ينتج عنه من تبعات سلبية نفسية وذهنية وجسدية، كالانعزال وضعف التركيز وتدهور الصحة نتيجة قلة الحركة وكثرة الجلوس أمام الشاشة. كما يمكن للشركات التي تطور الألعاب الإلكترونية أن تجمع مختلف أنواع المعلومات من اللاعبين وتستخدمها لاكتشاف تفضيلاتهم وسلوكهم الاستهلاكي، وقد ينتج عن هذا استخدامات تنتهك الخصوصية، إلى جانب إمكانية انتفاع بعض هذه الشركات من الإعلانات التي تظهر على شاشة اللعبة والتي قد تتضمن محتويات سلبية. وتعد الرقابة على الألعاب الإلكترونية أحد أكثر جوانبها المثيرة للجدل نظراً لصعوبة التحكم في الفئة السنية للّاعب. لكن العديد من الدول بدأت في فرض المزيد من القيود على الشركات المنتجة للألعاب لتفادي هذه الجوانب السلبية، وهذا ما يعزز إمكانية توجيهها نحو ما فيه خير ومنفعة وتطوير للفرد والمجتمع.