أبدع الإنسان في فنون الطهي وابتكار أطباق جديدة وطرق متنوعة حتى صار لكل بلد مطبخ مميز بمكونات خاصة به، ولكن ماذا إن كان مكون الطبخ هذا موجوداً في كل مكان؟ فهل حدث يومًا وتذوقت طعم الهواء؟

لن تحتاج إلى قراءة الدراسات العلمية لمعرفة أهمية الهواء بالنسبة للكائنات الحية، فقط احبس أنفاسك لعدة ثوانٍ وستعرف بنفسك أن وجودك ووجود الحياة مرتبط بوجود الهواء، تلك المادة التي تعمل بدوام كامل في وظائف عدة أهمها التنفس، ومنها نقل حبوب اللقاح من نبات إلى آخر، وتحريك السحب من مكان إلى مكان، والدخول في طعامنا بشكل مباشر وغير مباشر كمكون أساسي للطبخ. فكيف ستحصل على قالب كيك مثالي دون وجود فقاعات الهواء التي تمثل ركناً من أركان خليط الكيك للحفاظ على هشاشته وانتفاخه؟!

أما دليل دخول الهواء في طعامنا دوماً فهي تلك الأدوات التي تنتجها شركات تصنيع أدوات الطهي بغرض الطهي في أوانٍ تفصل الهواء عن مكونات الطعام من خلاله تفريغه، وهي طريقة ابتكرها الفرنسيون في سبعينيات القرن الماضي لطهو الطعام دون هواء وأطلقوا عليها اسم (sous vide) أي (خالٍ من الهواء) لمزيد من التروي على الطبخة وإعدادها ببطء شديد قد يصل إلى الساعات والأيام.

وفي مطعم "فيفا" الواقع في بلدة كاستلفرنكو فينيتو الإيطالية ابتكر رئيس الطهاة (نيكولا ديناتو) طبقًا فريدًا من الحلوى المطعمة بالأوزون وأطلق عليها اسم (آريا فريتا) أو (الهواء المقلي)، ويتم إعداد هذه الحلوى المقرمشة من نبتة التابيوكا التي يتم خبزها أولًا ثم قليها مع إدخال الهواء أو بالأحرى مادة الأوزون فيها لمدة عشر دقائق حتى تنتفخ وتمتليء بالهواء من الداخل، لتقدم بعد ذلك على طبق من الحلوى القطنية كفاتح لشهية رواد المطعم أو كطبق ترحيبي لهم، ثم سرعان ما تجاوزت شهرة طبق حلوى "الهواء المقلي" حدود إيطاليا لتصبح حديث العالم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وإذا ما تحدثنا عما يتميز به المطبخ السعودي من أصالة وإبداع سواء في مكونات أو طرق الطبخ، فإن تجربة "الطعام الذي يسبح في الهواء" قد جذبت قطاع كبير من الجمهور السعودي من مختلف الأعمار خلال فعالية أقيمت تحت عنوان "الهواء بطعم الحلوى" ضمن فعاليات موسم الإبداع "تنوين" في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) حيث تذوق الجمهور حلوى "المرنغ" الشهيرة المرتبطة بالمطبخ الإيطالي والسويسري والفرنسي، ولكن هذه المرة جاءت مصنوعة من الهلام الهوائي الأخف وزناً في العالم لتسبح هذه الحلوى حرفيًا في الهواء ويتذوق الجمهور حرفيًا طعم الهواء بل ويشارك في طبخ وتحويل الهواء إلى وجبة رائعة المذاق.

وإن كان ابتكار "طبخ الهواء" حدثاً غريباً حينها إلا أنه فتح الباب أمام الهواة والمحترفين على حد سواء في مجال الطبخ إلى إدخال الهواء بطرق طهوٍ مختلفة ومبدعة في العديد من الأطباق، الجديدة منها والتقليدية، إما بغرض تزيين الطبق أو استخدامه كطبق جانبي لفتح الشهية أو اعتباره طبقاً مستقلاً بذاته، وفي كل الأحوال يبقى الهواء عنصراً أساسياً ومكوناً رئيسياً في الطبخ.