"أغمض عينيك قليلًا واكتشف الظلام"؛ لا يحتاج الأمر لجهد كبير لكي تبحر في الظلام وتسبر أغواره، أطبق جفنيك واستعد لرحلة في خيالات الظلام الفريدة، رحلةٍ ترسمُ فيها أبعادًا جديدة وتحلق في السماوات التي لوّنتها كما تشاء، بل وربما جعلتَ للكلمات روائحَ ومذاقات.

تعد تجربة الظلام من أكثر التجارب إثارة لدى الإنسان؛ لأنها تجربة تحفز العقل على الخيال والتوقع، كما أنها ترهف الحس وتنمّي حواس الإنسان بكل ما يحيط به، وقد انتبه الإنسان لهذا الأمر منذ الأزل، فنظم القصائد ورسم اللوحات ونحت المنحوتات مستلهماً من الظلام ذلك الجو الساكن الهادئ القادر على إلهام العقول وإيقاد الأفكار.

وفي هذا السياق يقدم الموسم الثاني لبرنامج (تنوين) الإبداعي الذي ينظمه مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) والذي يقام خلال الفترة من 10 إلى 26 أكتوبر الجاري؛ عددًا من الفعاليات التي تتيح فرصة اللقاء بالظلام، عبر تجارب متعددة يأخذ فيها (إثراء) زواره في رحلة استكشافية ممتعة، حيث يقام ضمن الموسم برنامج (لقاء الطعام والظلام) وهو تجربة فريدة تتيح للزوار أن يتشاركوا الأكل في ركن مظلمٍ محاولين اختبار حواسّهم في التذوق واللمس والشم؛ ليميزوا المكونات التي صُنع منها الطعام الذي بين أيديهم.

وليس الأمر كذلك فقط، بل قدّم القائمون على مبادرة تنوين تجربةً أخرى في الظلام، وهي تجربة الحوار في الظلام، فما معنى أن تتحاور مع شخص في الظلام؟ يعني أن تذوب الحواجز بينكما، وأن تجد في نفسك الرغبة للحديث والاستماع، وأن تغوص في شخصية المحاور من خلال نبرة صوته فقط، وأن تتكون بينكما علاقة إنسانية قائمةٌ على اللسان والأذن.

تثبت تجربة الظلام التي نهضت بها مبادرة تنوين أن مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) يطمح إلى إنشاء علاقة إنسانية متينة مع المجتمع، وذلك من خلال تقديم التجارب المبتكرة إلى زواره، تلك التجارب التي من شأنها أن تبقى عالقة في ذاكرتهم يحفظونها في مآثرهم ويدونونها في مذكراتهم.

ويجدر بالذكر أن هذه الفعاليات التي يقدمها مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) تهدف إلى تطوير وتقديم منتجات معرفية مبتكرة، بالإضافة إلى خلق القيمة المضافة المرجوّة من خلال إنشاء علاقة استراتيجية بين المركز وبين شركائه والزوّار، عن طريق تحفيز استدامة المجتمعات الإبداعية والثقافية، ويتمثّل ذلك من خلال دعم وإبراز المواهب في بيئة محفزة على إنتاج وتبادل المعرفة، بشكل مشرّف يفخر به الوطن.