"الصُّدفة هي فلسفة بسيطة لكنها قويّة، تُحدث تحولاً في حياة الأشخاص، وتقف في مواجهة عدم اليقين، ربما تفتح الصُّدفة عقلنا وقلبنا، وتخلق مساحة صغيرة للأمل.

الصُّدفة تسمح لنا أن نأخذ نفساً عميقاً، وأن نبقى في اللحظة الراهنة، وأن نصوغ المسار الشخصي الخاص بنا". – هدية الصدفة، أليسون كارمن.

في الحكايات الخرافية كثيراً ما تتدخل الصدفة فتحول مسار الحدث وتنقذ البطل، وكذلك الأمر في الواقع، استرخاؤك تحت الشجرة هو ما اخترتَه أنت، أما سقوط التفاحة على رأسك، وما تبع ذلك من أفكار وأحداث فهو الصدفة التي غيّرت حياتك والتاريخ.

يمكن النظر إلى الصدفة على أنها الفرصة التي تواتي الموهوب دون مقدمات للاستبصار بموهبته وتنميتها، كما يمكن اعتبارها الحل المفاجئ الذي يواتيك أثناء انشغالك بمشكلة ما في مجال موهبتك أو إبداعك، تماماً كما صدفة سقوط التفاحة على رأس نيوتن، هي صدفة اكتشافنا الموهبة. تمرض فتاة فتعطيها والدتها دفتراً فارغاً لتملأه بالقصص وهي التي لم تكتب يوماً قصة ولم تكن تؤمن بقدرتها على ذلك، إلّا أنها عندما حاولت أصبحت، بمواصلة الكتابة، أعظم كاتبة قصص بوليسية في التاريخ. وعلى غرارها اُكتشف الكثير من المبدعين، باختلافات شاسعة في شخصياتهم، نشأتهم، بيئتهم وظروفهم، وهنا السؤال.. هل كنا لنعرف أجاثا لو لم تكن ذات طفولة سعيدة وبيت مستقر ووالدة هي الداعم الأكبر لموهبة ابنتها؟

بالتأكيد تتطلب الموهبة سياقاً اجتماعياً يمكّنها من النضج، فهي لا يمكن أن تتطور مالم تتفاعل مع المحفزات الشخصية والبيئية، والصدفة. ويُرجع تاننبوم، أحد أبرز المهتمين بدراسة العلاقة بين الصدفة والنبوغ، جميع إنجازات الإنسان إلى رميتين لحجر النرد التي لا يبذل فيها أي فرد أي نوع من التحكم الشخصي، وهما الولادة والمنشأ، كما أنه يعتقد بغلبة الوراثة وظروف النشأة والبيئة المحيطة على دور الحظ في نبوغ الفرد وتطور موهبته، لكن ليس دائماً، فقد يحدث أن تكون كل الأمور مهيأة للإبداع والنجاح قريب للغاية، ثم فجأة ينقلب كل شيء بفعل الحظ السيء، وقد يحدث العكس أيضاً.. كما في حالة تشارلي تشابلن، الموهبة الاستثنائية للطفل في مواجهة اليتم والتشرد والجوع والنكبات المتواصلة، تمكنت بفعل الشغف والإرادة من السطوع أقوى بكثير من مجايليه ذوي الحياة المرفهة مقارنة به. ولذلك يصر العديد من الباحثين على أهمية التهيؤ العقلي والنفسي لاغتنام الفرص الناتجة عن الصدفة، فبدون مثابرة ومران وعمل جاد متواصل حتى الموهبة العظيمة تصبح غير ذات نفع، مهما رافقها من حظوظ، فما كان أديسون ليحقق براءة الألف اختراع لولا مجهود 99% من العمل، في مقابل 1% فقط من العبقرية.