لطالما اهتم الباحثون بتاريخ الألعاب التقليدية للشعوب، فدرسوها في مجالات التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع وغيرها. وذلك لأن كل لعبة تحمل انعكاساً للقيم والعادات والتقاليد التي تحكم أفراد المجتمع وتربط بينهم، بل وتساهم في صنع وإثراء نشاطاتهم الجادة.

ومن أبرز ما لفت الباحثين في ألعاب المجتمع السعودي، بتنوع ثقافاته وعاداته ومناطقه، هو أن الكثير من ألعابنا الشعبية هي ألعاب جماعية، تنميّ روح التعاون في سبيل هدف مشترك، مما يعزز من تماسك المجتمع وألفة أفراده. ويشمل هذا الألعاب الحركية مثل فنون الرقص الشعبي التي تدخل البهجة في النفوس وتقوي الأواصر، وما يرافقها من أهازيج تتضمن كلماتها قيماً وقصصاً متوارثة عبر تاريخنا الثري. ورغم أن عوامل التغير الاجتماعي والاقتصادي والتقني كان لها أثر كبير في اندثار جزء كبير من هذه الألعاب واستبدالها بأخرى، إلا أن أثرها لا زال راسخاً في قلب ثقافتنا ولغتنا وعاداتنا اليومية، وهكذا يجب أن نحافظ عليه.

ارتبط كثير من ألعابنا الشعبية بالأرض، حرفياً ومجازياً، إذ كان التراب والحجارة دائماً أدوات مفضلة للّعب، وكأن هذه الألعاب تربط الأطفال بجسد الوطن الذي سينمو ويزدهر معهم وبهم. وأحد أشهر الأمثلة لعبة "حي بن موت" التي عُرفت بأسماء مختلفة على امتداد أرض المملكة، وفيها يُطمر اللاعب بالتراب ممثلاً دور الميت ويختبر قدرته على أن يمسك نَفَسه متحدياً أقرانه. ولهذه اللعبة شعبية كبيرة في المنطقة الشرقية بالخصوص حيث كانت تشيع مهن الصيد من البحر واستخراج اللؤلؤ التي تتطلب حبس النفَس. وهذا يؤكد أن اللعب في جزء كبير منه محاكاة وتدريب على النشاطات الجادة التي يمارسها البالغون، عبرها يتهيأ الطفل ليكون عضواً ناشطاً في المجتمع. ولهذا شاعت أيضاً لدى أجدادنا أنماط اللعب المرتبطة بالفروسية والرماية التي تُمرّن مهارة الجري والتصويب والقدرات البدنية الضرورية للنجاة في الصحراء، وقد أثبت الكثير منها فائدته اليوم، فوجدت طريقها إلى الحاضر عبر الرياضات الحديثة.

ورغم شيوع تلك الألعاب البدنية، فإن الألعاب الذهنية لم تكن نادرة أيضاً، بل كان حظها في النجاة أكبر نظراً لملاءمتها لكل زمان ومكان. وتندرج تحت هذا النوع ألعاب الورق مثل الكنكان التي تنمي مهارات التركيز والحفظ والحساب والاستدلال. إلى جانب غيرها من الألعاب الاستراتيجية مثل لعبة "أم تسع" الشهيرة، والتي تُلعب بالأحجار فوق رقعة مرسومة على الأرض أو على ورقة بهدف المنافسة على تكوين خط مستقيم، وتنمّي مهارات التخطيط والتفكير المنطقي وحل المعضلات. وتعتبر السجالات الشعرية كذلك نوعاً من المنافسات التي تتحقق فيها شروط اللعب وفوائده، ودليل ذلك أنها كانت تُقام في سوق عكاظ منذ العصر الجاهلي جنباً إلى جنب مع مباريات المصارعة، ولا زالت تمارَس اليوم بشكل آخر في ذات الموقع.

إن اللعب هو مختبر اللغة كما يقول اللغويون، وهذا يعني التلاعب بالألفاظ وتشكيل الاستعارات والتنافس في المهارات البلاغية، والتي هي مصدر فرادة اللغة العربية وسر سحر بيانها وسبب بقائها حية. ولهذا شاعت في مجتمعنا ألعاب لغوية كثيرة مثل لعبة "حروف وأسماء" التي تقوي الذاكرة وسرعة استرجاع الحفظ والثراء اللغوي عند الطفل. ومن أهم الألعاب اللغوية الشائعة ألعاب الأحاجي والألغاز باختلاف مسمياتها، سواء تلك المنظومة شعراً أو النثرية منها ، والتي تلعب دوراً كبيراً في تنمية الذكاء وإثراء المُخيلة وتشجيع التفكير الإبداعي والفطنة وسرعة البديهة، كما أن لها أثراً راسخاً كوسيلة تعليمية تسهّل حفظ المعلومة. وكذلك شاعت العديد من الألعاب اللفظية التي تعتمد على تكرار العبارات المعقدة واختبار مهارات النطق وسلامة مخارج الحروف، والتي تؤدي إلى إذكاء الفصاحة وتطوير وظائف الدماغ في سن مبكرة.

والمشترَك بين جميع هذه الألعاب على اختلاف أنواعها هو أنها قابلة لأن يُعاد إحياؤها ويُستفاد من قوانينها وأهدافها اليوم، وذلك لأنها نتاج أعوام طويلة من التعايش الاجتماعي والتقاليد الثرية والقيم المتنوعة التي تنمي في الفرد مختلف المهارات الصالحة لكل عصر. حتى الألعاب ذات الطابع الجسدي يمكن أن تحوي عناصر تنمي بدورها القدرة على الابتكار، وذلك من خلال قيام الأطفال بصنع ألعابهم بأنفسهم باشتقاق أدواتهم من البيئة المحيطة بهم، وتفنّنهم في تزيينها وإضفاء طابعهم الشخصي عليها. إن اختراع الألعاب نفسه جزء مهم من النمو الإبداعي، إذ يمكن أن تُشتَق لعبة من الأخرى لتصنع لعبة جديدة بقوانين أكثر ثراءً، وهذا يثبت أن التطوير المستمر لنشاطات اللّعب هو جزء أصيل من ثقافتنا لا بدّ أن يبقى ويزدهر.