حينما نعود بالذاكرة إلى الطفولة، نتذكرُ جماداتٍ رافقتنا وكانت جزءًا من أهم أجزاءِ يومنا، ومن بينها جمادات كانت الرفيقة التي نتبادل معها الأحاديث في خيالنا، جماداتٍ نشعر بها وتُشعرنا بذواتنا، ولها ذات الشبهِ بأشكالنا وملامحنا.

إنها الدمى تلك الجمادات ذات الأحجام المختلفة والأشكال المتنوعة التي قاسمتنا البطولة في قصص الطفولة، فتاريخ أول دمية يعود إلى الحضارة الفرعونية وتحديدًا في قبور المصريين القدامى ما بين 2000 و3000 سنة قبل الميلاد، حيث كانت على هيئةِ ألواحٍ خشبية مسطحة، مطليةٍ بألوانٍ مختلفة مع شعرٍ طويلٍ صُنع من خرزٍ خشبي أو حبال من صلصال، ليتطور الزمن وتتطور معه هذه الدمى لتنتقل من يد الأطفال إلى المعارض الفنية والثقافية والمحلات السياحية.

ففي بلدٍ كاليابان على سبيل المثال يتم تخصيص الثالث من مارس في كل عام لمهرجان الفتيات "هينا-ماتسوري" في سبيل تقديم الدمى ذات الألوان الزاهية التي تمثّل أعضاء البلاط الإمبراطوري القديم وتخصيص الزيارات المختلفة للإناث الصغار لرؤية مجموعات الدمى المختلفة، فيما في روسيا موطن دمية الماتريوشكا ذات النسخ الخمسة أو السبعة الصغيرة، فالأمرُ مختلف فالماترويشكا لا ينحصر حضورها في المنازل وإنما في المتاحف، ففي عام 2015 م خصص متحف فنون الزخرفة في العاصمة موسكو معرضًا بعنوان "ماترويشكا ليست مجرد لعبة" في دلالةٍ واضحة أنها ليست للهو، فقد ظهرت تاريخيًا هذه الدمية لأول مرة في معرض باريس العالمي بعام 1900 م وحصدت الميدالية البرونزية، وتكمن رمزيتها ثقافيًا أنها شكلٌ من أشكال تمثيل الشعب، فالماتريوشكا هي تمثيلٌ لحياة المرأة المزارعة التي تضم في داخلها كل أطفالها.

ومن الماترويشكا إلى والت ديزني حيث الدمى متنوعة الحجم والشكل والتي تلبي رغبات الجميع صغارًا وكبارًا، فبعد دمية ميكي ماوس ودونالد داك وانحسار مبيعاتهما قررت ديزني إنتاج فيلم "حكاية لعبة" الذي قلب موازين المبيعات لكونه أعاد لدمية راعي البقر بريقه الثقافي، وحتى يومنا هذا ما إن تلج إلى أرض ديزني حتى تجد دمية راعي البقر أمامك بقبعته و طلته العجيبة، وبالعودة إلى مصر فإن ذاكرتنا لا يمكنها نسيان "أوبريت الليلة الكبيرة" أحد أبرز علامات الفن في التاريخ الفني العربي فمن خلال هذا العمل الخالد تم إنشاء أول مسرحٍ للدمى في مصر، وها هو "الليلة الكبرى" يطل علينا اليوم عبر دور الأوبرا المصرية ومسارحها. وكذلك دمى الماريونيت ستطل على سماء الظهرانِ بهيئةٍ عملاقةٍ في حدائق إثراء لتعود بالذاكرة إلى أيام الطفولة واللعب وذكريات الدمى الأولى التي رافقتنا في رحلة العمر، لنراها اليوم بشكلٍ مختلف، وإن كنت لا تزال تملك دميتك المفضلة فبإمكانك اصطحابها معك لرؤية هذه الدمى العملاقة معًا.