القهوة تتوهّج في سماء البشر

سجالات القهوة على صفحات سفرها


تختزل القهوة في تاريخها، فصول مكتظّة تروي السجالات والطقوس لاسيما في الأنظمة والنزاعات السياسية، إذ أصبحت رمزًا للعديد من الحضارات التي تعاقبت واحدة تلوى الأخرى، إلى أن شهدت تحوّلات على مرّ العصور، ومن "مجلس تعاليل" الذي أقامه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء)، منح الكاتب والمؤلف عبد الكريم الشطي فرصة عميقة وغزيرة للقهوة لكي تروي تاريخها بنفسها، حيث تدافع عن نفسها تارة وتكشف ما مرّت به تارة أخرى، باعتبارها مخزون حضاري يكتظ بالأسرار ويجنح نحو ما يمكن تسميته بـ "المشروب القومي لدى العديد من الدول".

الشطي حاول أن يُسهب في صفحات القهوة بعد أن تعمّق في البحث عنها لأكثر من 6 أعوام؛ مما استدعى الانغماس في روحانية القهوة، ليجد نفسه وسط تأملات حولها، متمسكًا برصد أرشيفها عبر مؤلفات كان آخرها "سفر القهوة"، إذ حاولت نبتة البُن من خلاله أن تقتنص أدوار عدة لتستلهم ما يليق بها، لذلك غلب على الصفحات طابع السرد الذاتي المتعمّق في سراب الفكر، محاولة في كل فصل من فصول الكتاب التسعة، أن تنجو من القصص الباهتة الذي حاول البعض الإفتاء في تحريمها وآخرون استغلوها كسلعة تجارية هامة، ربما تتسبب في قطع العلاقات بين الدول، ومن هنا انطلقت سهام النزاعات السياسية بمحاولات لاستنطاقها كقوة مؤثرة على المعارك السياسية والتي كان من أبرزها المعركة السياسية الأولى بين الأمريكان والإنجليز، فكانت السيطرة الأمريكية على القهوة أشبه بالهيمنة الاقتصادية بمضمار سياسي، حيت اتخذت قرارًا بدعم الأنظمة السياسية التي تسهم في توريد القهوة بأسعار زهيدة، وما يبدو لافتًا آنذاك بأن خلافات نشبت بين دول كبرى عشيّة هذا القرار، ما أشعل فتيل أزمات حول استيراد وتصدير المشروب الذي تنازعته السياسة واستغله الساسة.

رائحة طازجة مدهشة، تربعت على الأبعاد السياسية لأعوام طويلة، فالسيرة الأسطورية لتلك الرائحة كان بطلها كوب القهوة، فكلًا يحاول سحب البساط إلى ناحيته؛ ليكون الأكثر توريدًا لذلك المنتج العجيب، حيث جاب العالم وسط تحديات اعترته واتهامات وجّهت له، إلا أن جغرافية الدول كانت كفيلة بتوفير أذرع حامية، وفقًا لكتاب "سفر القهوة" للكاتب الشطي، إذ هامس القهوة لتتحدث عن نفسها بتاريخها الحقيقي الذي افترش لأكثر من 500 عام، فالمساحة رحبة أمامها لتمزج بين الماضي والحاضر، وفي بعض الفصول تتنبأ بمستقبلها من خلال روايات مألوفة تلامس الوجع والشتات لها والهوس بها أحيانًا أخرى.

رسّخت القهوة مكانتها التاريخية، وتربعت على عرش مزاج البشر لتنثر مشهدًا حراكيًا عزز من وجودها وباتت "مشروبًا قوميًا"، لاسيما بعد انفصالها عن الثقافة الإنجليزية، وباتت دول تسيطر على إنتاجها منها دولة البرازيل التي تصدرت بنسبة 80٪من الإنتاج عالميًا، ولأن القهوة ستبقى حيّة عملت على تخليد أرشيفها التاريخي لكي تصبح خارطة ثقافية عالمية اكتسبت زخمًا كبيرًا وتوهجّت في سماء البشرية جمعاء.

- بقلم: رحمة ذياب