إدريس الملّومي

15 أغسطس 2018

منذ انطلاقته وافتاح أبوابه للجمهور، دأب مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي “إثراء” في الظهران على تقديم مشهد مختلف ثقافياً وفنياً بهدف الارتقاء بالذائقة و خلق محتوى مميز، ومن هذا المنطلق يستضيف “إثراء” في الفترة من 11 – 14 ذو الحجة 1439هـ الموافق 22 – 25 أغسطس 2018م الموسيقار العالمي “إدريس الملّومي”، الحائز على عدة جوائز، من ضمنها جائزة “زرياب المهارات” عام 2011م، والتي منحها المجلس الوطني للموسيقى التابع لليونسكو، بالإضافة إلى لقب “فارس للفنون والآداب” عام 2016م، من قِبَل وزارة الثقافة الفرنسية، حيث يهدف المركز من خلال إقامة هذه الفعالية إلى تأكيد العلاقة الوطيدة بين الأذن العربية وأوتار العود وإلى تقديم أسماء مميزة وجديدة للمتلقي السعودي .
“إدريس الملّومي”ولد عام 1970م في مدينة أغادير بالمغرب، وهو فنّان يتميز بمهاراته الموسيقية ومواهبه الإبداعية المتنوعة، حيث يسعى “إدريس الملّومي” إلى صنع تجربة خاصة تفتح أمامنا آفاقًا واسعة من الحرية، ليضعنا في عالم خاص من السحر الموسيقي، الذي يجمع بين روعة العود وحيوية الدفوف، ويأتي هذا الحوار ليعبر عن تجربة إدريس ملّومي ومسيرته مع “العود”.

 

كيف استطعت دمج العود مع الآلات الموسيقية الأجنبية؟

أنا ممّن يعتقدون أن الآلة الموسيقية لا تقول سوى ما يمليه عليها الموسيقي، هامش الخداع غير وارد بين الإثنين، والتواصل والحوار بين الآلات الموسيقية تمرين قديم بقدم الإنسان، والآلة الموسيقية بشكل عام ترفض الاحتكار ولا تعترف بالقصور الموسيقي.

إن المسؤول الأول عن محدودية الفعل الموسيقي بالكتابة والتأليف والعزف، هو الموسيقي نفسه وليس الآلة وإلا كيف نفسر السفر الناجح لآلة الكمان بين مختلف الثقافات الإنسانية؟ وكيف السبيل لتعليل صمود آلات القيتارة أو الكلارنيط أو البيانو …أمام فكرة الاختلاف الموسيقي؟. إن الإلتقاء بين الآلات مسألة طبيعية بالنسبة إلي و لا استشير أي انتماء تعسفي بعملية الكتابة بأعمالي، فأنا أكتب و أعزف أفكاراً وليس أصواتاً، و بالتالي اختيار الآلات محسوم بفكرة الموضوع.

إذن أنا أعطي الكلمة للنداء الداخلي في فكرة الموضوع بغض النظر عن الأدوات التي سأستعملها للترجمة أو للعزف، وأعتز وأفتخر لكون عودي جاور آلات موسيقية متعددة حول العالم، ويعد هذا التعدد مصدر غنى لي، وليس تهجيناً لثقافتي أو لهويتي، فإن هنالك توافق وتعايش جميل بين الآلات الموسيقية، وينبغي على المؤلف أن ينجح في حمايتها من خلال كتاباته.

ما التأثير الذي أحدثه دخول آلة العود مع الموسيقى الأجنبية على الجمهور؟

إن الموسيقى فعل جمالي ينتصر للحظات تسمو بكتلة الأحاسيس و الإنفعالات، حيث يعد انخراط “العود” في الكتابات الموسيقية الخارجة عن المألوف، مسألة غير حديثة وقد نجح العود في غالبية مواعيده في خلق جمهور واسع عبر العالم، منهم من يكتشف العود لأول مرة ومنهم من كان يعرفه ويكتشف وجهاً جديداً لهذه الآلة، وقدرتها الهائلة على الذهاب بعيداً بمجال الكتابة والعزف، ومنهم من يزداد إيماناً ويقيناً بكون هذه الآلة العظيمة لا تقل عن أية آلة عظيمة أخرى.

بتجربتي، هناك جمهور عالمي غير قليل يبحث ويسأل ويترقب لحظات نتقاسم فيها انتباهاً جماعياً، لنبل وعظمة هذه الآلة، وهناك أيضاً جمهور غير فكرته عن العود واكتشف عوداً آخر خارج المعتاد و المكرّس.
نعلم بأن العود الذي تعزف عليه مصنوع من خشب مأخود من مناطق متعددة حول العالم، حدثنا عن قصته.

أنا أتجوّل كثيراً حول العالم مع عودي وأعمالي وأفكاري الموسيقية، ومن الطبيعي أن يترجم عودي تصوراتي على مستوى البنية أو المكونات أو الأجزاء، ولدي أعواد متعددة لكن العود الذي أقدم به عمل “مكان” موضوع الحفلات الحالية، هو عود مشكّل من أجزاء جمعتها من مناطق مختلفة تجمعها فكرة البحث بالمقاسات وطبيعة الصوت والدوزان و الرنين، حيث أن علاقاتي ساعدتني في ذلك مع صناع آلات موسيقية عبر العالم، لكن صناعة عودي مغربية من صنع الراحل “عبد الله موريد” رحمة الله عليه، عندما كنا نناقش المقاسات، ونوعية الخشب، والأوتار، وكان يطلب مني أن أحضر له خشباً من بلد محدد أو من منطقة أخرى، حتى أصبح عوداً يختزل أسفاراً و نقاشات وحكايات من حول العالم.

كيف كانت تجربة العزف مع أشهر الموسيقـيين العالميين؟

مند أعمالي الأولى وأنا أبحث عن مسافة إيجابية مع تراثي وثقافتي وهويتي وأشيائي الإبداعية، وليس سهلاً أن تضع عودك بتحديات الجدال والحوار والنقاش، وأشكر عودي كثيراً على تحمل عناء السفر والهم الجميل الذي تقاسمه معي، والذي مكنّني من تقاسم الخشبة مع أسماء عالمية خالدة كالمايسترو العالمي الإسباني “جوردي سافال”، والنجم الهندي عازف السلاي قيتار “ديباشيش ديباتشاريا”، وغيرهم من الأسماء الشهيرة، بالإضافة إلى أبرز الأسماء العربية، “شربل روحانا”، و”مسلم رحال”، و”وعد بوحسون”، و”عمر بشير”.

قد يعتقد البعض أن الجوائز والتقديرات التي منحت لنا ولتجربتنا أهم ما في الأمر، وقد يعتقد البعض أن الترشيحات من قبل “جائزة زرياب” للمهارات أو ” أحسن فنان” أو حتى “الوسام الشرفي من درجة فارس للفنون ولآداب للجمهورية الفرنسية”، وغيرها من الترشيحات قد تخفف من ثقل المسؤولية، لكننّي أقول بأن تقدير الناس واحترام الجمهور أقوى وأعمق.

باعتقادك، هل ترى أن نهضة العود مشرقية أم مغربية؟

أعتقد أن تضافر جهود جميع الفنانين والعازفين والمؤلفين هو الكفيل بخلق حالة نهضة حقيقة لهذه الآلة العظيمة التي استمر إشعاعها، ولا يزال منذ قرون.

وعلى الصعيد الشخصي، أشعر بالفخر حين استمع لهذا التعدد من آلة العود الشرقي، والخليجي، والمغربي، وهو انتصار حقيقي لشساعة خيال هذه الآلة، فحين استمع لعود عبادي الجوهر مثلاً، أشعر بافتخار موضوعي، وحين استمع للعود العراقي أو الكويتي فإنني انتشي و أطرب، فإنه لكل لون حضوره ورنينه الخاص.

ولا يجب علي أن أعزف مثل السنباطي أو فريد الأطرش، بل من الأفضل التنقل بين أعواد الوطن العربي التي هي مفخرتنا و غنانا بشكل يحترم خصوصيات كل جزء، وينبغي علينا خلق مساحات أوسع للتعرف واكتشاف بعضنا البعض، فالعود بالوطن العربي غني ومتعدد، وهنا تكمن النهضة الحقيقية لهذه الآلة العظيمة، وكجواب حقيقي عن سؤال هل نهضة العود مشرقية أم مغربية، فإني أقول الإثنين معاً.

كيف ترى المشهد الموسيقي في السعودية و التغييرات التي طرأت عليه ؟

إن المشهد الموسيقي العربي بشكل عام، يتميز بهيمنة الغناء والشعر الغنائي، وسيطرة الصوت البشري، حيث يعد هذا المفهوم متداول عبر تاريخنا الموسيقي، سواءً بالمشرق أو المغرب أو بالمملكة العربية السعودية. لقد قدمت لنا المملكة عبر التاريخ أصواتاً مهمة جداً و ثراء غني بالنمط الغنائي البحري أو البدوي أو الصحراوي وغيرهم من الأنماط المتنوعة، ولا أزعم أنني على دراية كافية بها، كفن المزمار، وفن الطنبورة، وفن المجرور، حيث أن المملكة قدمت لنا أيضاً أسماء مهمة في تاريخ الغناء، على سبيل المثال لا الحصر، الراحل طلال مداح، ومن أهم عازفي العود عبادي الجوهر.

وككل أجزاء الوطن العربي المعاصر، من المفترض أن يظهر غناء الهامش أو الشكل الموازي لفن الهيب هوب أو الراب أو ما نستطيع تسميته الأغنية البديلة، وأود أيضاً أن أشير الى أهمية الدور المهم الذي تشكله.

بما أنك تلقب بـ”شاعر العود” كيف ترى العلاقة بين فن الموسيقى و فن الشعر؟

إن “الشعر” المنبع السخي للرقة والقوة والفرح والحزن والتأمل والانتشاء والأمل وكافّة تفاصيل الحياة، وبالنسبة إلي أرى أن أقرب مسافة بين الفنان وأدواته الإبداعية هي الشعر، والفلسفة، واللوحة، والصورة، ولكن للقصيدة مكانة خاصة، إن الشعر والموسيقى يتقاسمان غموضاً ضرورياً، ويلزمني قلب شاعر كي أستطيع البوح بقصيدة العود، فنحن “عودي وأنا” نبحث باحتراق عن قصيدة مفقودة، أو كما قال الشاعر، “أيها الأصدقاء لا تمروا قرب الحياة سدى… فعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة”.